محمد جمال الدين القاسمي
79
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ أي هلّا أنزل عليه ما اقترحنا من الكنز والملائكة ، زعما أن الرسول متبوع ، لا بد له من الإنفاق على أتباعه ، ولا يتأتى مع عدم سلطنته إلا بإلقاء الكنز عليه ، أو مجيء ملك معه يصدق برسالته ، فقال تعالى : إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ أي ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي إليك ، غير مبال بما صدر منهم من الاقتراح وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ أي فيحفظ ما يقولون ويجازيهم عليه ، فكل أمرك إليه ، وبلغ وحيه بقلب منشرح ، غير مبال بهم . لطائف : الأولى - قال القاشانيّ : لما لم يقبلوا كلامه صلى اللّه عليه وسلم بالإرادة ، وأنكروا قوله بالاقتراحات الفاسدة ، وقوله بالعناد والاستهزاء ، ضاق صدره ، ولم ينبسط للكلام ، إذ الإرادة تجذب الكلام ، وقبول المستمع يزيد نشاط المتكلم ، ويوجب بسطه فيه ، وإذا لم يجد المتكلم محلّا قابلا لم يتسهل له ، وبقي كربا عنده ، فشجعه اللّه تعالى بذلك ، وهيّج قوته ونشاطه بقوله : إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ ، فلا يخلو إنذارك من إحدى الفائدتين : إما رفع الحجاب بأن ينجع فيمن وفقه اللّه تعالى لذلك ، وإما إلزام الحجة لمن لم يوفق لذلك ، ثم كل الهداية إليه . الثانية - لا يخفى أن ( لعل ) للترجي ، وهو ، وإن اقتضى التوقع ، إلا أنه لا يلزم من توقع الشيء وقوعه ، ولا ترجح وقوعه ، لوجود ما يمنع منه . وتوقع ما لا يقع منه ، المقصود تحريضه على تركه ، وتهييج داعيته . وقيل : ( لعل ) هنا للتبعيد لا للترجي ، فإنها تستعمل كذلك ، كما تقول العرب : لعلك تفعل كذا ، لمن لا يقدر عليه . فالمعنى : لا تترك . وقيل : إنها للاستفهام الإنكاريّ كما في الحديث « 1 » : لعلنا أعجلناك . وقيل : هي لتوقع الكفار . فكما تكون لتوقع المتكلم ، وهو الأصل ، لأن معاني الإنشاءات قائمة به - تكون لتوقع المخاطب أو غيره ، ممن له ملابسة بمعناه كما هنا . فالمعنى : إنك بلغت الجهد في تبليغهم أنهم يتوقعون منك ترك التبليغ لبعضه - كذا في العناية - .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : الوضوء ، 34 - باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين ، حديث 144 - عن أبي سعيد الخدري .